| عائلة عرابي بين الشقاء والتشريد.. ولا من مجيب
من عتبات الأمم المتحدة إلى بوابات السفارة الفلسطينية بالبرازيل
ماهر حجازي/ دمشق
من جديد، فلسطينيو البرازيل عنوان حلقتنا الثانية والعشرين, في السابق ارتموا على بوابة مكتب هيئة الأمم المتحدة، واليوم يلقون بمعاناتهم أمام سفارة منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة برازيلية.
اعتقدوا أن أبناء جلدتهم سيكونون عوناً وسنداً لهم, حطوا رحال مأساتهم لينصبوا خيام جراحهم على عتبات السفارة الفلسطينية, آملين حل قضيتهم من فلسطينيّ يفترض أن يكون «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني».
بعد الاحتلال الأمريكي انتهى الترحيل بعائلة عرابي الفلسطينية في مخيم الوليد الصحراوي في منطقة الأنبار العراقية, وأكملت رحلتها باتجاه البرازيل في 15/11/2007، ومنذ ذلك التاريخ تقاسي الويلات من ضنك العيش وصعوبة التكيف مع المجتمع البرازيلي, وغلاء الإيجارات وعدم توافر الرعاية الصحية المناسبة والتعليم لأبناء العائلة, مثل بقية الأسر الفلسطينية التي استقبلتها البرازيل من مخيمي الرويشد والوليد.
الأب عصام اعتقد كغيره أنهم سيخرجون من الوضع المأساوي الذي يعيشونه إلى حياة جديدة يُحترم فيها الإنسان وتُصان كرامتُه التي أزهقت في الصحراء عدة سنين, لكن كيف لحياة البؤس أن تجد طريقاً نحو الراحة بعد أن أوقفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين برنامج المساعدات المقدم للفلسطينيين الذين أقاموا في العاصمة برازيليا ومنع العلاج عنهم؟
اللاجئون المستضعفون لم يجدوا أمامهم سوى التظاهر والاعتصام أمام مقرّ المفوضية وقيام الأخيرة بقمع هذه الاعتصامات, وسط تجاهل الحكومة البرازيلية لهذه المأساة, وعدم اكتراث السفارة الفلسطينية.
الخروج من البرازيل إلى دولة أخرى تعطيهم حقوقهم وتضمن حياة كريمة لهم بعيداً عن حياة الإذلال في البرازيل لحين العودة إلى فلسطين, هو العنوان الرئيسي للاعتصام الذي بدأته عائلة عرابي منذ سبعة أشهر عند مكتب الأمم المتحدة في برازيليا مع مجموعة أخرى من الفلسطينيين الذين تحدثنا عنهم في حلقة سابقة.
بعض اللاجئين المعتصمين نُقلوا إلى هولندا, والبعض الآخر بقي في البرازيل إثر وعود بتحسين أوضاعهم الحياتية.
السفارة تراوغ
عائلة عرابي المكوّنة من سبعة أفراد آثرت الاستمرار في معركة الموت أو النجاة, لتبدأ اعتصاماً آخر بتاريخ 28/6/2010، وهذه المرة ليس عند منظمات حقوق الإنسان، بل أمام سفارة منظمة التحرير الفلسطينية, وذلك بعد أن أخبرهم السفير الفلسطيني إبراهيم الزبن بأن سورية رفضت استقبالهم في مخيم الهول للاجئين الفلسطينيين من العراق, وهو العرض الذي قدمه اللاجئون للخروج من معاناتهم منذ نحو ستة أشهر.
يقول عصام عرابي: «السفير إبراهيم الزبن أخبرنا أنهم بذلوا كل جهد لإخراجنا من البرازيل, وأن سفرنا قريب وما هي إلا مسألة وقت, وأنهم أدخلوا جميع الجهات الفلسطينية بالموضوع, وقال حتى حماس التي نحن على خلاف معها طالبناها بالتدخل».
بعد ستة أشهر من الانتظار أبلغهم السفير برفض سورية استقبالهم وطلب منهم مهلة ستة أشهر إضافية لإيجاد حلٍّ لهم! للأسف، مثل مفوضية اللاجئين، السفارة أدخلتهم في سياسة الوعود والتسويف، وفي النهاية ينقلب الأمر على رأس اللاجئ.
عصام طالب السفير الزبن برسالة رفض سورية عرض استقبالهم, إلا أن السفير أخبره بأن الرفض كان من طريق البريد الإلكتروني, أليس غريباً أن تتبادل الأوراق الرسمية بين الدول عن طريق الإنترنت وبرامج التشات! يقول عصام «السفير كاذب ومراوغ».
أيضاً فنّد عصام ادعاء السفارة بأنهم عرضوا على المعتصمين إعادتهم إلى قطاع غزة، إلا أنهم رفضوا هذا العرض، وطالبوا بنقلهم إلى السويد.. كيف يريدون إعادتهم إلى القطاع وهم يعتبرونه كياناً خارج عن القانون.
محاولات السفير إبراهيم الزبن لإنهاء الاعتصام مستمرة, وقد لجأ أخيراً إلى التهديد والوعيد بحق المعتصمين، وذلك من خلال تسليط بعض الجيران البرازيليين لإيذاء الفلسطينيين المعتصمين، بحسب ما حدثنا به عصام، حيث قال: «ما استجد أخيراً، وتزامناً مع تحذير السفير الفلسطيني لنا من أنه لا يريد لما حدث أمام مكتب المفوضية سابقاً أن يتكرر أمام السفارة، في إشارة إلى المؤامرة التي حدثت أمام مقر المفوضية من افتعال أحد الجيران مشاجرة مع المعتصمين هناك، وإفلات الكلاب عليهم وشهر السلاح بوجوههم، ثم اتهامهم بالإرهاب وبالتالي جرى تفكيك الاعتصام، وطبعاً تمت المؤامرة بالفعل، وزار مقرّ السفارة وفد من وزارة العدل البرازيلية، في ما يبدو أنها الخطوة الأولى التي تهدف إلى إلصاق تهمة بنا للتخلص من اعتصامنا، وتقول السفارة إن الجيران في المنطقة يخافون من الإرهاب، وأعاد السفير القول بأن الجيران لن يقبلوا بوجودكم أكثر من ذلك، وكأننا نسكن في بيت أحدهم، لا في الشارع».
الآن يتوقع المعتصمون أن يهاجَموا في أي لحظة بمباركة من السفارة الفلسطينية, إلا أنهم أصروا على الثبات والتمسك بمطالبهم العادلة.
وفي ما يتعلق بدور السلطة الفلسطينية ومساعيها لحل مشكلتهم, أشار عصام إلى أن رسالتهم التي وجههوها إلى الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس وصلت, حيث قال عباس للسفير اسألهم إذا كانوا يريدون العودة إلى العراق لنتصل لهم بجلال الطالباني، يعني يخلصنا من شوارع البرازيل ليعيدنا إلى الموت في العراق».
الجمعية الفلسطينية في البرازيل
خالد هلالي رئيس الجمعية الفلسطينية في البرازيل الشخص المكلف من السفير بحل قضية اعتصام عائلة عرابي أمام السفارة الفلسطينية, فهو يؤرق السفير المستعد لعمل أي شيء لكسره عن سفارته.
أسند إلى هلالي مهمة التباحث مع المعتصمين لإنهاء الاعتصام, فأخبر اللاجئين أن السفير غير قادر على حل مشاكله الشخصية فكيف يقدر على حل مشكلتكم!
لم يكن خالد هلالي بأحسن حالاً من السفير، فقد اتصل بعصام وبدأ بشتمه بألفاظ دونية تخدش الحياء لإنهاء الاعتصام، وهو الحق الطبيعي لهم على سفارة شعبهم..
الحاجّة المسنّة
من على قارعة الطريق، وأمام أنظار موظفي السفارة الفلسطينية، تصف الحاجة صبحية (61 سنة) حالة التشرد والضياع التي تعيشها, حيث تقول: «أصبحنا بالفعل مشردين، كنا في المخيمات على الأقل نحمل هوية تثبت أننا لاجئون فلسطينيون، لنا حقٌّ في يوم من الأيام سنحصل عليه، أخرجونا من المخيمات على أساس الحفاظ على كرامتنا وإعادة تأهيلنا لحياة كريمة كالبشر، ففقدنا كل حقوقنا واستُبدلت كلمة لاجئ فلسطيني بكلمة مشردين فلسطينيين، أصبح حالنا كما يرى العالم كله على أطراف الطرقات، فقدنا الاستقرار، فقدنا الأمان والطمأنينة».
ولا تنسى الحاجّة المريضة أن تبعث بصرخة أليمة، عساها تبدد الجفاء الإنساني والرسمي والشعبي الفلسطيني تجاه وضعهم المتدهور، فتقول: «بالله عليكم يا أصحاب الضمير الحي.. يا إخوتنا في جميع الفصائل الفلسطينية.. إلى متى نستمر على هذا الوضع وهذا الحال والكل يخلي مسؤوليته، نحن نواجه الضياع والتشرد من شارع إلى شارع ومن رصيف إلى رصيف، أنا مريضة وفي أبنائي اثنان مرضى، ما المنتظر منا الموت على أطراف الطرقات».
أما الأطفال الصغار، الرضيع رامي (22 شهراً) ونيفين (4 سنين)، فقد نطقا قبل أوانهما ليتحدثا عن طفولتهما البريئة التي أزهقت مبكراً على عتبات السفارة الفلسطينية حيث يقولان: «انظروا ماذا حصل بنا؟ نعيش بالشارع نعيش بين الأوساخ، نشعر بالخوف ليلاً من الكلاب وعندما تُظلم الدنيا، نريد الذهاب إلى البيت فقد قتلنا الحر والبرد والجوع نريد أحداً يأخذنا من هنا».♦ |